ابن عربي
55
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
[ هبوب النفحات على قلوب العارفين وعشقهم للذات الإلهية ] عسى نفحة من صبا حاجر * تسوق إلينا سحابا مطيرا الحاجر : هنا حجاب العزة الأحمى المحجوب عن الكون أن يناله ذوقا لكن تهب منه نفحات على قلوب العارفين بضرب من التعشق ، ولهذا وصفه بالميل الذي هو الصبا ، وطلب أن ينال من تلك النفحات الغريبة نسمة ونفحة تهب من ذلك الجناب العالي الأحمى فيسوق بها إلى هذا القلب المتعطش سحاب المعارف والعلوم الربانية الأقدسية من باب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] فيمطر على هذا القلب ، فينبت فيه من ربيع الحكم ما تنطق به الألسنة الفهوانية ، ومن ربيع الأخلاق الإلهية ما يزيده ترقيا فوق ترقيه فإنه متعطش لهذا المورد ، ولهذا قال : تروّى بها أنفسا قد ظمئن * فما ازداد سحبك إلّا نفورا يقول : تروى بذلك أنفسا ظامئة عاطشة من قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام : وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً [ طه : 114 ] ، ثم أخبر بعدم الإجابة له فيما سأل لما يجب من تعظيم المقام من العزة والمنع والعلو عن منازل الكون له والإحاطة ، يقول : لو نيل ، ما كان حمى ولا اتصف بالحجب الذي هو المنع ، وأما نسبة النفور إلى هذا السحاب فهو مثل قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] أي كل ما تصور في وهمك أو حاك في صدرك أو دلّ عليه عقلك ، فاللّه بخلاف ذلك فإنه ليس كمثله شيء مع كونه هو السميع البصير ، فلا بدّ من هذه الأسماء والكنايات والمعارف ، ومع هذا فلا بد من ليس كمثله شيء ولو وقع الاشتراك في إطلاق العبارات ، لكن ما ثم أحد يجمعها أصلا لعلو المقام ونزاهته ، ولما رأى أنّ هذا ، مثال المحجوب ، محال عاد إلى شكله وجنح إلى مثله فقال : فيا راعي النجم كن لي نديما * ويا ساهر البرق كن لي سميرا راعي النجم ، هو حفظ ما تحمله العلوم في تعقلاتها على اختلاف ضروبها ، واتخذ رعاة النجوم ندماء لذلك ، فإنّ المنادمة حالها ضرب الأمثال وإيراد الحكايات والأخبار والنوادر والأشعار بين النديمين ، ثم قال : ويا ساهر البرق ، الذي هو المشهد الذاتي يخاطب طالبه ، يقول : مطلبنا واحد فكن لي سميرا من المسامرة الذي هو الحديث بالليل ، والليل غيب ، والذات غيب عن الكون ودليلها الهوى ، فيقول له : أنت سميري من حيث أنّ مقامنا واحد ، فتفهم عني ما أريد ، كما أفهم عنك ما تريد ، فنحن سكوت والهوى يتكلم ، ثم نظر إلى ما هما فيه من تعب الخاطر في نيل ما لا يسع الكون حمله ، فأخذ يخاطب أهل الغفلة عن هذا المقام ، وأهل الفناء فيه عنه . أيا راقد اللّيل هنّئته * فقبل الممات « 1 » عمرت القبورا
--> ( 1 ) في نسخة أخرى : فقل للممات .